
عمتها أيدتها بسرعة وبصوت مليان حقد أيوة والله يا رجب! الست دي متبلية وكدابة.. إحنا نزلنا شكرنا في الأكل وقلنا تسلم إيد اللي عملته، لقينا العريس نازل بوش خشب وبيقولنا سلفتي اتضايقت ومش نازلة تصب الشاي! استكبرت علينا ورفضت تكمل ضيافتنا، وإحنا سكتنا عشان منكسرش بخاطر العريس، تقوم تقلب الترابيزة وتطلعنا إحنا اللي غلطانين؟!
حماتي بدأت تتدخل وتطبطب على أم العروسة صلوا على النبي يا جماعة.. الشيطان شاطر، ونورهان تلاقيها كانت تعبانة وأعصابها فلتت…
بس يا أمي! محمود قطع كلام أمه بصوت زلزل الحيطان، وشه كان محتقن، وبص لأم العروسة وعمتها وقال نورهان مش كدابة، ومفيش واحدة هتخترع تهمة بالريحة والزفارة من فراغ! أنتوا أنكرتوا قدام الرجالة، وفاكرين إن الكدب هينجيكم؟!
في اللحظة دي، طلعت تليفوني من شنطتي الصغيرة.. وبصيت لعمة العروسة ولأمها بنظرة خلت اللون يهرب من وشهم. قلت ببرود الحاج رجب قال إنكم ناس بتوع أصول، وإني أنا اللي حاقدة ومتبلية.. تمام! إيه رأيكم بقى نسمع الأصول دي بتتقال إزاي بصوتكم؟!
أم العروسة اتخضت وقالت بارتباك نسمع إيه؟! إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟!
شغلت الموبايل، وعلّيت الصوت على آخره. طبعاً هما مكنوش عارفين إن باب شقة أحمد لما كان موارب، وأنا واقفة على السلم مصدومة بعد ما سمعت كلمتين في الأول، طلعت تليفوني وسجلت الباقي من كتر الصدمة عشان ميبقاش كلامي مجرد ادعاء.. كان التسجيل مدته دقيقة وربع، بس كفيل يدفن عيلة كاملة في الأرض من الخزي!
صوت عمتها طلع من السماعة نقي وواضح لدرجة تخوف ضحك ومسخرة.. شفتي سلفتها وهي طالعة بالأكل؟ إيه ده، هي طالعة لنا مبهدلة في نفسها كده ليه؟! ولا ريحتها.. دي معفنة بصل وزفارة فراخ، كانت غيرت هدومها حتى بدل ما تفرسنا بمنظرها ده! وبعدها طلع صوت أم العروسة بوضوح لا يقبل الشك، وهي بتضحك بكركرة مستفزة ضحكة رنانة.. خلاص يا أختي، اعتبري هديتها من بنتي في الصباحية إزازة بادي سبلاش وبرفيوم ومزيل عرق نستر بيها ريحتها! وكملت العمة في التسجيل آه والله، بدل ما هي عامية قلوبهم بالخدمة ومفكّرة نفسها صاحبة فضل، وهي أصلاً بيئة ومبتعرفش تلبس!
التسجيل خلص. الصالة نزلت عليها سكتة زي سكتة المقابر. محدش كان قادر يتنفس.. الهواء نفسه اتجمد.
أنا طفيت الشاشة وحطيت التليفون في جيبي، وبصيت للحاج رجب اللي كان قاعد وشه اتخطف وبقى لونه رصاصي من كتر الإحراج والعار.. الراجل ضهره انحنى فجأة كأن حد ضربه بمرزبة على دماغه. وعصام ابنه، اللي كان داخل بصدره ويزعق ويهدد، نزل عينه في الأرض وإيده نزلت جنبه وشه احمر من الكسوف، وبقى يبص لأمه وعمته بنظرات احتقار وغضب مش قادر يخبيه.
أما أم العروسة وعمتها؟ فضلوا متسمرين زي الأصنام.. عيونهم كانت طالعة لبرة من الخوف، وشفايفهم بتترعش ومش عارفين ينطقوا بحرف واحد.. الفضيحة كانت صوت وصورة في نص بيت العيلة، ومفيش مفر ولا مجال لإنكار أو تبرير!
منار العروسة قعدت على الكرسي وحطت إيديها على وشها وانهارت في العياط الحقيقي المرة دي، عياط كسرة النفس والتعب اللي أهله جابوهالها برخص لسانهم قبل ما تدخل البيت.
أحمد أخو محمود قام من مكانه، وكان باين عليه القهر والوجع، بص لحماه وقال بصوت باكي ومخنوق ده حق مرواحي وجياتي عندكم يا حاج رجب؟! ده جزاتي إني شلت بنتك فوق راسي وجبتلها أحسن ما عندي؟! دي الأصول اللي كنتوا بتعايرونا بيها من شوية؟! مرات أخويا اللي وقفت تخدمكم وتعملكم وليمة عشان تشرفني، يتقال عليها معفنة وبيئة في شقتي اللي لسه مفرشناهاش؟!
أنا أختي لو عملت كده مع حد من أهلكم، كنت قطعت لسانها قبل ما توصل بيتي!
حماتي اتخرست خالص، وبصت للستات بعين مليانة لوم وغضب بعد ما كانت بتدافع عنهم وفاكرة إن نورهان متبلية عليهم.
محمود أخد خطوة لقدام، ووقف قدام الحاج رجب بالظبط، صوته كان هادي جداً، بس الهيبة اللي فيه كانت تخوف سمعت يا حاج رجب؟ سمعت الأصول والأدب اللي حريمك بيوزعوه على الناس؟ مراتي نورهان، اللي عمتها بتقول عليها بيئة ومعفنة، بنت ناس متربية، من بيت أصول بيعرفوا عيب الكلمة قبل ما تطلع من البوق.. وقفت من تمانية الصبح عشان تكرم نسايب أخويا، مش عشان يتضحك عليها ويتسخر منها في بيتنا! دلوقتي يا حاج رجب، إنت راجل كبير في مقام أبويا، وبنتك منار على عيني وعلى راسي عشان خاطر أحمد.. بس اللي حصل ده جريمة في حق كرامة البيت ده، ومفيش راجل حر يقبل إن مراته تتهان في عقر دارها ويتقال عليها كده ويسكت.
الحاج رجب فضل ساكت ثواني طويلة، رافع عينه في السقف من كتر الحرج، وبعدها اتنفس نفس عميق ومخنوق، وبص لمراته وأخته بعينين بتطق شرار، وقال بصوت فحيح يخوف انتي وهي.. قسماً برب العزة، لو ما وقفتوا على رجليكم حالا، وبوستوا على راس نورهان وراس محمود واعتذرتوا قدام الكل كلمة كلمة، لا إنتي مراتي ولا أعرفك، وانتي يا أختي ملكيش قعاد في بيتي بعد النهاردة!
أم العروسة اتخضت وركبتها خبطت في بعضها من الخوف يا رجب.. استهدى بالله.. إحنا كنا بنهزر…
الحاج رجب خبط بإيده على التربيزة خبطة خلت الكوبايات تتنطر وتقع على الأرض تتكسر مية حتة، وزعق فيهم بصوت هز العمارة اخرسيييي! مش عايز أسمع صوتك النجس ده! اعتذاركم قدام الكل دلوقتي، وكلمة حق ترجع لأصحابها، وإلا أقسم بالله العلي العظيم عفش بنتك ينزل من الشقة حالا والجوازة دي تنتهي قبل ما تبتدي، وأنا اللي هطردكم في الشارع!




