قصص و روايات

بنتي اختفت

— الروب ده وصلني ليلة اختفائها.
حسيت الدنيا كلها لفت بيا.
— إزاي؟!
ردت بصوت مرتعش:
— بنتك هي اللي اديتهولي.
قربت منها وأنا حاسة إن قلبي هيطلع من صدري:
— يعني كانت عايشة بعد ما اختفت من الشاطئ؟!
هزت راسها ببطء.
— أيوه.
ثمان سنين من البحث…
ثمان سنين وأنا مش عارفة غرقت، اتخطفت، هربت…
وفجأة ست غريبة بتقولي إن بنتي كانت حية.
قلت وأنا بعيط:
— كانت فين؟ قوليلي!
لكن قبل ما ترد…
سمعنا صوت خطوات طالعة على سلم العمارة.
وش الست اتغير تمامًا.
شدتني لجوه بسرعة وقفلت الباب.
وحطت صباعها على بوقها:
— ولا نفس.
الخطوات قربت.
وبعدين وقفت قدام الباب مباشرة.
سمعنا صوت مفتاح بيتحط في الكالون.
الست بصتلي برعب وهمست:
— لو هي شافت الصورة اللي معاكي… مش هتعرفي توصلي لبنتك أبدًا.
وفي اللحظة دي…
الباب بدأ يتفتح.
الباب اتفتح ببطء…
وأنا واقفة مكاني، حاطة الموبايل جوه شنطتي، وقلبي بيدق لدرجة إني كنت حاسة إن صوته مسموع.
دخلت بنت في أواخر العشرينات تقريبًا.
أول ما شافتني وقفت.
وبصت للست صاحبة الروب وقالت:
— مين دي؟
الست ردت بسرعة:
— واحدة سألتني عن عنوان، وطلعت معايا أشربها حاجة.
البنت فضلت باصة لي بشك.
الغريب إن ملامحها كانت مألوفة بشكل خلاني أركز معاها أكتر.
مش شبه بنتي…
لكن عينيها كان فيهم خوف غريب.
قربت من الست وهمست:
— لازم نمشي… هي عرفت إننا هنا.
الست شهقت:
— إزاي؟
— شافتك عند الكافيه.
وقتها فهمت.
دي أكيد “هي” اللي كانت الست بتحذرني منها.
قلت بعصبية:
— أنا مش همشي من هنا قبل ما أفهم! بنتي فين؟!
البنت بصتلي بسرعة:
— بنتك؟
الست غمضت عينيها كأنها عرفت إن كل حاجة اتكشفت.
طلعت موبايلي وفتحت صورة بنتي.
أول ما البنت شافتها…
لون وشها اتغير.
رجعت خطوة لورا وقالت:
— الصورة دي قديمة؟
قلت:
— من تمن سنين… يوم ما اختفت.
ردت بحاجة جمدت الدم في عروقي:
— لأ… أنا شوفت البنت دي بعد التاريخ ده.
مسكتها من كتفها:
— فين؟!
قالت:
— كان عندي 19 سنة وقتها، وكنت بشتغل في فندق صغير على الطريق الساحلي. في ليلة وصلت بنت في سنها تقريبًا مع ست أكبر منها.
— كانت لابسة إيه؟
بصت ناحية الروب الفيروزي.
— ده.
حسيت رجلي بتتهز.
الست صاحبة الروب قالت:
— وأنا كنت بشتغل في نفس الفندق. بنتك دخلت وهي لابسة الروب ده… وبعد ساعات خرجت من غيره.
صرخت:
— خرجت مع مين؟!
سكتوا الاتنين.
وبعدين البنت فتحت شنطتها وطلعت ظرف قديم.
قالت:
— احتفظت بحاجة من الليلة دي… لأني من أول يوم حسيت إن اللي حصل مش طبيعي.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة مطبوعة من كاميرا مراقبة.
التاريخ المكتوب تحت الصورة كان بعد اختفاء بنتي بيوم كامل.
وفي الصورة…
كانت بنتي.
نفس شعرها.
نفس ملامحها.
واقفة عند باب الفندق.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان جنبها راجل ماسك إيدها.
قربت الصورة من عيني وأنا بترعش.
وبمجرد ما ركزت في وش الراجل…
حسيت إن نفسي وقف.
لأني كنت أعرفه.
وأعرفه كويس جدًا.
الراجل اللي كان واقف جنب بنتي بعد يوم من اختفائها…
كان موجود معانا على الشاطئ يوم اختفائها.
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أصدق عيني.
همست:
— ده… سامح.
الست سألتني:
— تعرفيه؟
رفعت عيني وأنا حاسة إن ذكريات اليوم ده كلها بترجع مرة واحدة.
— ده كان صاحب جوزي… وكان معانا في الرحلة يوم ما بنتي اختفت.
سامح هو اللي جري أول واحد ناحية عمال الإنقاذ.
هو اللي فضل مع جوزي طول الليل يدور في المستشفيات وأقسام الشرطة.
وهو نفسه اللي كان بيقولي كل شوية:
— لازم تتقبلي احتمال إنها نزلت البحر من غير ما حد يشوفها.
لكن الصورة قدامي كانت بتقول إن بنتي كانت عايشة في اليوم التالي.
ومعاه هو.
بصيت للبنت وقلت:
— الصورة دي اتصورت فين بالظبط؟
قالت:
— في فندق صغير على بعد حوالي 70 كيلو من الشاطئ اللي اختفت منه.
— وليه الشرطة ما وصلتش للمكان ده؟
ردت الست:
— لأن بنتك دخلت الفندق باسم تاني.
سألتها:
— إنتِ عرفتي اسمها الحقيقي إزاي؟
هنا الست مسكت طرف الروب الفيروزي.
وقالت:
— بسبب الشمس الصفرا.
ما فهمتش.
فكملت:
— في الليلة دي، بنتك كانت مرعوبة. دخلت عندي أوضة الغسيل وطلبت مني أخبيها شوية. وأنا لاحظت الرقعة دي وقلت لها إنها جميلة.
صوتي خرج بالعافية:
— وبعدين؟
— قالتلي: “جدتي هي اللي عملتها… ولو ماما شافتها هتعرف فورًا إن ده بتاعي.”
دموعي نزلت.
حتى وهي خايفة…
كانت بتفكر فيا.
قلت:
— طب ليه سابت الروب عندك؟
الست سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— لأنها كانت عارفة إنهم بيدوروا عليها بوصف اللبس اللي كانت لابساه.
— “هم” مين؟
قبل ما ترد، البنت اللي كانت واقفة جنبنا قربت من الشباك بسرعة.
وقالت:
— العربية وصلت.
الست شهقت:
— مستحيل… إزاي عرفوا المكان؟
بصيت من فتحة صغيرة في الستارة.
عربية سودا وقفت قدام العمارة.
بابها اتفتح.
ونزل منها شخص.
لكن اللي صدمني مش الشخص اللي نزل…
اللي صدمني كان اللي قاعد جوه العربية.
لمحت وشه لثانية واحدة.
رجعت خطوتين وأنا حاطة إيدي على بوقي.
الست سألتني:
— مالك؟
قلت وأنا مش مصدقة:
— جوزي.
البنت بصتلي بصدمة:
— الراجل اللي معاكي في الرحلة؟
هزيت راسي.
وفي اللحظة دي موبايلي رن.
كان جوزي.
رديت وإيدي بتترعش.
قال بهدوء غريب:
— إنتِ فين؟ أنا مستنيكي عند الفندق.
ما رديتش.
فسكت ثانيتين…
وبعدين قال جملة خلتني أبص للروب الفيروزي وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحتي:
— وعلى فكرة… الست اللي قابلتيها في الكافيه، ابعدي عنها.
سألته:
— إنت عرفت منين إني قابلتها؟
سكت.
وفجأة الست خطفت الموبايل من إيدي وقفلت المكالمة.
وقالت:
— لازم تعرفي الحقيقة دلوقتي… لأن جوزك مش جه المدينة دي بالصدفة.
فتحت درج قديم وطلعت منه كيس بلاستيك مقفول بعناية.
جواه سلسلة فضة صغيرة.
عرفتها فورًا.
أنا اللي اشتريتها لبنتي في عيد ميلادها الـ16.
لكن كان متعلق فيها مفتاح صغير ما شفتوش قبل كده.
الست حطته في إيدي وقلت:
— بنتك سابت ده مع الروب، وقالتلي جملة واحدة قبل ما تمشي.
بلعت ريقي وسألت:
— قالت إيه؟
بصتلي في عيني وقالت:
— قالت: “لو أمي وصلت للروب يومًا… خليها تفتح الخزنة رقم 27.”
وبعدين قربت مني وهمست:
— والخزنة دي لسه موجودة في الفندق القديم لحد النهارده.
بصيت للمفتاح الصغير في كف إيدي.
ثمان سنين…
وبنتي كانت سايبالي طريق أوصل بيه للحقيقة.
قلت للست:
— الفندق فين؟
ردت بسرعة:
— عشر دقايق من هنا، بس لو جوزك عرف إن المفتاح معاكي، مش هيسيبك توصلي للخزنة.
الكلمة وجعتني.
— جوزي؟ أبوها؟ إنتِ بتقولي إن أبوها له علاقة باختفائها؟
هزت راسها:
— أنا ما قولتش كده… أنا بقول إن فيه حاجات هو عارفها وما قالهالكِش.
نزلنا من باب خلفي للعمارة.
بعد حوالي ربع ساعة وصلنا للفندق القديم.
المكان كان شبه مهجور.
دخلنا من باب جانبي، والست خدتني لممر ضيق ورا الاستقبال.
كان فيه صف خزائن حديد قديمة.
24…
25…
26…
27.
حطيت المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
لفيته…
والخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه ظرف بني، وفلاشة صغيرة، وسلسلة خرز كنت أعرفها كويس.
سلسلة بنتي.
فتحت الظرف بسرعة.
لقيت ورقة مطوية.
خط بنتي.
عرفته من أول حرف.
بدأت أقرأ:
“ماما…
لو إنتِ اللي بتقري الرسالة دي، يبقى الروب وصلك.
أنا ما غرقتش.
وما هربتش منك.”
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت على الورقة.
كملت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى