
يُعتبر التوكل الحقيقي على الله سبحانه وتعالى والإخلاص في العبادة من أعظم المقامات التي يطمح إليها العبد المؤمن في رحلته في هذه الحياة الدنيا. وتأتي القصص والحكايات التراثية الصالحة لتضيء لنا جوانب مضيئة من سير الزهاد والعباد، لنستخلص منها العبر والقيم الأخلاقية والإيمانية الرفيعة التي تعزز اليقين في قلوبنا. ومن أبرز تلك الحكايات المؤثرة ما نقلة الإمام اليافعي اليمني في كتابه القيم “روض الرياحين في حكايات الصالحين”، عن قصة العالم الجليل مالك بن دينار رحمه الله في إحدى رحلاته المباركة إلى بيت الله الحرام.
لقاء مبارك على طريق الحج
يبدأ الإمام مالك بن دينار روايته الشهيرة بالقول إنه خرج حاجاً إلى بيت الله الحرام في عام من الأعوام، وبينما كان يقطع طريق الحج الطويل والصحراء القاحلة، إذ به يلمح رجلاً يمشي وحده بلا زاد ولا راحلة، ولا يحمل شيئاً من متاع الدنيا الذي يعين المسافرين على مشقة الطريق.
توقف مالك بن دينار متعرّفاً ومستغرباً هذا المشهد، فتقدم بحذر وسلم عليه، فرد الرجل السلام بتهذيب وسكينة. دار بينهما حوار قصير لكنه عميق الدلالة؛ سأله مالك بن دينار باستنكار: “من أين أنت؟” فأجاب الرجل بسكينة ويقين: “من عنده”، ثم سأله: “وإلى أين تريد؟” فأجاب: “إلى بيته”، وحين سأله عن الزاد والراحلة وكيف يقطع الصحراء بلا طعام أو شراب، أجاب بثبات إيماني عجيب: “عليه!”.
لم يقتنع مالك بن دينار في البداية بمنطق التوكل المطلق دون أخذ بالأسباب الظاهرة المعتادة، فخاطبه قائلاً إن الطريق لا تنقطع إلا بالمأكل والمشرب، فهل معك شيء؟ وهنا ابتسم الرجل وأجاب إجابة غير متوقعة: “نعم، تزودت عند خروجي من بلدي بخمسة أحرف”. فلما استفسر منه عنها، قال إنه يتزود بقول الله تعالى في بداية سورة مريم: ((كهيعص)).
تفسير الحروف النورانية ومعانيها العميقة
طلب مالك بن دينار أن يوضح له معنى هذه الحروف، فشرحها الرجل بكلمات نورانية تمس القلب:
أما حرف (الكاف) فهو يعبر عن اسم الله الكافي الذي يكفي عبده كل مؤنة.
وأما حرف (الهاء) فهو يشير إلى اسم الله الهادي الذي يرشد الحائرين إلى صراطه المستقيم.
وأما حرف (الياء) فيدل على اسم الله المؤوي الذي يَأوي إليه كل خائف وغريب.
وأما حرف (العين) فهو يرمز إلى اسم الله العالم بحال عباده وما يخفونه في صدورهم.
وأما حرف (الصاد) فهو يعبر عن اسم الله الصادق في وعده ووعيده.
وأكد الرجل لمالك بحكمة بالغـة أن من صحب هذه الصفات العظيمة؛ الكافي، والهادي، والمؤوي، والعالم، والصادق، فلن يضيع أبداً، ولن يخشى شيئاً، ولن يحتاج إلى الزاد والراحلة بالمعنى الدنيوي المادي، لأن قلبه متعلق بمسبب الأسباب وخالق الكون.
مشاهد الزهد ومناجاة الليل
يقول مالك بن دينار متأثراً بما سمع: لما سمعت منه هذا الكلام الطاهر، نزعت قميصي لكي ألبسه إياه تبركاً وإعانة له، فأبى أن يلبسه، وقال بلسان الزاهد العارف: “يا شيخ، العري خير من قميصك، فالنيا حلالها حساب وحرامها عقاب”.
وقد استمر مالك يراقب هذا الرجل العابد، فكان إذا جـن الليل ونام الناس، رفع رأسه نحو السماء الخاشعة يناجي ربه بكلمات صادقة مؤثرة، قائلاً: “يا من لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي، هب لي ما لا ينفعك، واغفر لي ما لا يضرك”.
ولما بلغ الحاج مناسكهم، ولبي الحجيج بصوت واحد، لاحظ مالك أن هذا الرجل صامت لا يلبي، فلما سأله عن السبب، أجاب بخوف واجلال صادق: “يا شيخ، أخاف أن أقول لبيك فيقول لي لا لبيك ولا سعديك، ولن أسمع كلامك ولا أنظر إليك”.
نهاية مباركة في رحاب البيت الحرام
مضى الرجل عن مالك وغاب عن بصره فترة، حتى رآه مجدداً في مشعر منى وهو يبكي وينشد أبيات الشعر الإيمانية التي تعبر عن شدة التعلق بالله سبحانه وتعالى ومحبة خالقه، مناجياً ربه بأن روحه ونفسه هما أقصى ما يتقرب بهما إلى مولاه.
ثم رفع بصره إلى السماء دامعاً، وأطلق شهقة خاشعة خرّ بعدها ميتاً رحمه الله تعالى. فقام مالك بن دينار بتجهيزه ودفنه بيده، وواراه التراب. وفي تلك الليلة رأى مالك بن دينار الرجل في المنام، فسأله عما فعل الله به، فأجاب مطمئناً بأنه عُومل أحسن معاملة، وارتفع مقامه بفضل صدق محبته ويقينه.
تمت المقالة بحمد الله، ونسأل الله أن تنفع القلوب وتساهم في نشر القيم الإيجابية، ودمتم في أمان الله ورعايته.



